المقريزي

53

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

المسلمين حتى ضعفت مملكة الرّوم بالقسطنطينية ورومة واستفحل ملك الفرنجة هؤلاء وقد وهنت الخلافة ببغداد فزحفوا إلى الشّام وملكوا عدّة مواضع منها بيت المقدس وبنوا فيه كنيسة عظيمة بدل المسجد ، وحصروا القاهرة كما قد بيّنا في مواضعه من كتبنا . ثم أدال اللّه لأهل الإسلام فجاهدهم السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب حتى أخذ منهم القدس وغيره ، واستردّ الملوك بعده جميع ما كان معهم من البلاد الشّامية ، فجمعوا ونازلوا دمياط في سلطنة الكامل محمد ابن العادل أبي بكر بن أيّوب ثم في سلطنة ابنه الصّالح نجم الدّين أيّوب ، وأخذت قرطبة وبلنسية وإشبيليّة ، وقصد الفرنج تونس في سنة ثمان وستين وستّ مائة فهلك الفرنسيس ريدافرنس على قرطاجنّة فضعف أمرهم واختلّ مركز دولتهم بإفرنسة وافترقوا طوائف وصار ملكهم عمالات ؛ واستبدّ صاحب صقلّيّة وصاحب نابل وصاحب جنوة وصاحب سردانية وبقي بيت ملكهم الأقدم على غاية الوهن . ذكر ابن جبير في « رحلته » « 1 » أنّ صاحب قسطنطينية هلك وترك الملك بعده لزوجته ولها منه ابن صغير ، فقام ابن عمّه في الملك وقتل المرأة وسجن الابن ، فأطلقه ابن لهذا الثّائر فمرّ حتى نزل صقلّيّة في خدمة راهب بعد ما مرّت به خطوب كثيرة فأعلم بها غليام ملكها فاعتنى به وأكرمه . وكان لهذا الابن أخت جميلة علق بها ابن العمّ الثّائر على الملك فلم يمكنه تزوّجها - لحرمة زواج الأقارب عندهم - فحمله حبّها على أن توجّه بها إلى مسعود صاحب قونية « 2 » وأسلم وأسلمت معه على يده فامتحنه بأن وضع صليب ذهب قد أحمي بالنّار تحت قدميه إهانة له « 3 » ، وزوّجه بابنة عمّه المذكورة وسار مسعود بجيوش المسلمين إلى القسطنطينية فدخلها وقتل من أهلها نحو الخمسين ألف رومي وأعانه الإغريقيّون على ذلك - وهم من الرّوم النّصارى والعداوة بينهم وبين أهل قسطنطينية « 4 » - فاستولى المسلمون عليها وأخذوا منها من المال ما لا يأخذه الإحصاء ، فحازها مسعود « 5 » وذلك في سنة ثمانين وخمس مائة ، فجهّز غليام صاحب صقلّيّة أسطولا بسبب ذلك أنفة للصّبي الذي عنده .

--> ( 1 ) ابن جبير : الرحلة 311 - 312 . ( 2 ) عند ابن جبير : صاحب الدّروب وقونية وبلاد العجم المجاورة للقسطنطينية . ( 3 ) بعد ذلك عند ابن جبير : « وهي عندهم أعظم علامات التّرك لدين النّصرانية والوفاء بذمّة دين الإسلام » . ( 4 ) العبارة عند ابن جبير : « وهم فرقة من أهل الكتاب وكلامهم بالعربية ، وبينهم وبين سائر الفرق من جنسهم عداوة كامنة ، وهم لا يرون أكل لحم الخنزير ، فشفوا نفوسهم من أعاديهم ، وقرع اللّه نبع الكفر بعضه ببعض » . ( 5 ) نهاية كلام ابن جبير الذي نقله المقريزي .